|
|
|
|
|
|
|
|||||||
| ~ بين جدران مدرستي ~ أنشطة مدرسية.. مسابقات وألعاب منهجية.. آراء وحلول.. هنا اللقاء بين المعلمة والطالبة لإثراء المسيرة التعليمية |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 | ||||
|
بذرة
|
؛ لذلك فكرت في وضع معجم عن أبرز الشخصيات الأدبية في منتدانا ؛ لما له دور كبير في إثراء الطالبة وخصوصا أنني علمت أن معظم الطالبات يواظبن على زيارة المنتدى ............................ أنا سأحاول جمع أكبر عدد ممكن من الشخصيات الأدبية وسردها في المنتدى وأرجو من الجميع التعاون . قدم من حضرموت إلى القاهرة عام 1934م شاب يرغب في دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي في الأزهر، لكنَّه ما لبث أن غيّر رأيه ودخل كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأوَّل (القاهرة حالياً) وكان هذا الاتجاه ناجماً عن تشجيع من العَالِم والأديب مُحبِّ الدين الخطيب؛ ليدرس الآداب الأجنبية، حتى يستطيع أن يرد السهام التي يرمي بها دعاة التغريب في الأدب والحياة وفي وجه التيار الإسلامي؛ ولقد صدقت فراسة الشيخ فأثبت الشاب ـ فيما أنتجه من أدب فيما بعد ـ أنَّه خير من حمل لواء الدفاع عن الاتجاه الإسلامي مقتحماً عشَّ (الدبابير) فكان نسمة لطيفة محمَّلة بعبق مجد مجيد، ورحيق تاريخ تليد، هذا الشاب هو: علي أحمد باكثير. مولده ولد علي أحمد باكثير في مدينة (سورا بايا) بأندونيسيا لأبوين حضرميين، حيث كان أبوه يعمل تاجراً، ولم تكن رحلات الحضارمة في أصقاع الأرض حبَّاً في التجارة فقط، فقد حملوا عقيدتهم مع بضاعتهم، وكانوا دعاة بالقدوة الحسنة والسلوك القويم، وكان لهم دور بارز في نشر الإسلام في أنحاء الأرض، وكان لهـم الفضل ـ بعد توفيق الله ـ في دخول الكثير من الشعوب في الإسلام بخُلُقهم الصدوق. وعندما بلغ (علي) الثامنة من عمره أرسله والده إلى حضرموت ليتقن لغته، وليأنس بأهله؛ فالحضرمي شديد التعلق ببلده. لم يكد الفـتى يبلغ الثالثة عشرة حتى أقبل على الشعر يقرضه، وينظمه، وقد حفظ من أشعار القدماء، وكان ولوعاً بشعر المتنبي، ولكم حدثتْه نفسه وداعبت مخيلتَه وهو صبي صورة شاعر كبير كالمتنبي.. فأخذ ينظم الشعر ثم يعرضه على أصدقائه، وأساتذته، فأطروا وشجعوه؛ فكان لذلك الإطراء والتشجيع أثر بالغ في إقباله على المزيد من القراءة، والدرس، والنظم أيضاً. تزوَّج أديبنا في مرحلة مبكِّرة مـن فتاة أعجب بها، وأحبَّها حُبَّاً شديداً، لكن لم يُقدّر لهذا الحبّ أن ينضج، وهو لا يزال غضاً فتوفيت تلك الشابة، فحزن عليها حزناً كاد يودي به. ثم راح ينتقل من بلد إلى بلد؛ فمن حضرموت إلى عدن، ثم إلى الحبشة ماراً بالصومال، ثم إلى السعودية التي مكث بها فترة غير طويلة، تعرّف خلالها على أدباء الحجاز والطائف وعلمائهما، يغشى مجالسهم، ويتدارس معهم أخبار الأدباء العرب. ثم عزم باكثير بعد ذلك على الرحيل إلى القاهرة حيث الحركة الأدبية نشطة. وصل القاهرة عام 1934م، فالتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصل منها على الليسانس عام 1939م. وفي عام 1940م حصل على دبلوم تربوي عمل بعده مدرساً للإنجليزية بمدرسة الرشاد الثانوية بمدينة المنصورة بدلتا مصر. دخل باكثير معترك الحياة الأدبية منضماً إلى الركب الإسلامي، فدافع ببسالة، وناضل بشجاعة منقطعة النظير، وكان جواده فكره، وسلاحه يراعه.. يمده دمه. وقد اتسم أديبنا بتواضعه الجم، وبحيائه الفطري ؛ فكان محيَّاه كصفحة النهر هادئة صافية، بينما دخيلته كانت نهباً للصراع، والاضطرام، والتحرُّق شوقاً للحفاظ على تاريخ أمَّته والنهوض بها. حقد اليساريين عليه تألق الرجل في دنيا الأدب، فما من مسابقة تقام إلاَّ كان باكثير في طليعة الفائزين. ففي سنة 1947م أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في مصر عن مسابقة في ستّ روايات في موضوعات معينة، فتلقت الوزارة خمسمئة رواية، ولمَّا فحصت اللجنة المختصة ذلك الكم الهائل من الروايات كان باكثير قد فاز بروايتين من الستّ، فحقَّق نجاحاً مدهشاً. فكان ذلك النجاح ـ والكثير غيره ـ وتمسّكه بالاتجاه الإسلامي من بواعث حقد اليساريين على باكثير المسلم، المتمسك بقيم الإسلام، ورفضه لكل التيارات الملحدة الزاحفة نحو ديارنا. بدأ أعداؤه في تدبير الحملات ضدَّه سواء بالتشويه أو التجاهل، وكانوا يتغامزون ويتلامزون عليه في منتدياتهم قائلين عنه في سخرية: (علي إسلامستان) فكان الرجل ـ يرحمه الله ـ يقول: "إنَّه لشرف عظيم لي أن أتَّهم بالإسلامية فيما أقدِّمه من أدب". عندما صدر قانون التفرغ الأدبي كان باكثير أوَّل من حصل على منحة للتفرغ مدَّتها عامان، أنجز خلالهما رائعته: "الملحمة الإسلامية الكبرى عمر" فكانت تاريخاً أدبياً لفترة الخليفة الثاني العادل عمر بـن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ وقعت في ثمانيةَ عشرَ جزءاً، استطاع من خلالها إلقاء الضوء على الحضارة الإسلامية الفذَّة، وصوّر فيها الصراع بين قوى الخير والشر، بين القوة الإسلامية الواثقة من عقيدتها، المؤمنة بربها، وبين أباطرة الروم وطغاة البشر، فصوَّرها تصويراً حاذقاً حتى لكأنَّك وأنت تقرأ تلك الملحمة تشمُّ غبار المعارك، وتسمع صليل السيوف من خلال أسلوبه الجزل، وبراعته الفائقة. فلسطين اهتم باكثير بقضايا أمَّته، ومن أبرز القضايا التي احتلت حيزاً كبيراً من تفكيره ووجدانه "قضية فلسطين" فقد كتب فيها خمس مسرحيات أبرزها: "شيلوك الجديد"، "شعب الله المختار"، "إله إسرائيل"، "التوراة الضائعة" وترجم مسرحيته: "شيلوك الجديد" ـ التي تنبأ فيها بقيام دولة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربية ـ إلى الإنجليزية، وذلك لتوصيل صوته إلى الرأي العام العالمي محذِّراً من الصهيونية، لكنَّ دور النشر ـ يا للأسف ـ لم تقبل نشرها، فظلَّت حبيسة الأدراج حتى يومنا هذا، ثم جاءت هزيمة الجيوش العربية أمام العدو الصهيوني، فحزن باكثير حزناً شديداً اعتلّت بسببه صحته، وفي هذا يقول الأستاذ خيري حمَّاد: "أبصرت الدمعات تتساقط من عيني الأستاذ المرحوم الفقيد الغالي باكثير، وهو يقـف عند شريط الحدود الفاصل بين قطاع غزة والأرض المحتلة على بعد أمتار قليلة، وهو يرى الثكنة الإسرائيلية وقد ارتفع عليها العلم الإسرائيلي.. رأيت عبرات باكثير فلم أتعجَّب، فلقد أحبَّ باكثير فلسطين كما أحبَّ وطنه حضرموت، والقاهرة، وكل وطن عربي، بل إنَّ لفلسطين مكانة خاصة في نفسه رافقته طوال حياته، فلقد أحب باكثير فلسطين حباً عميقاً".. ويكفي ما خلَّده فيها من أعمال أدبية رائعة. قدّم باكثير للمكتبة الإسلامية قرابة خمسين كتابا،ً من بينها: "الملحمة الإسلامية الكبرى عمر" التي لو لم يكتب غيرها لحفظت له مكاناً مرموقاً بين أعلام الأدب وفرسان البيان، وفي سنوات عمره الأخير اشتدَّت الحملات المحمومة المسعورة ضده للنيل منه؛ فما زاده ذلك إلاَّ إيماناً وتثبيتاً، وفي ذلك يقول الدكتور عبده بدوي: "في الأعوام الأخيرة لم نعرف لباكثير مكتباً أو وظيفة، فقد تمَّ تجميده تماماً، وأسهمت أسماء لامعة في عالم اليسار من إحكام الحصار حوله، وحجب الضوء عنه خوفاً من فكره الإسلامي وشخصيته الملتزمة". وكان باكثير يقول: "إنِّهم يحسبون أنَّهم سيقتلونني عندما يمنعون الأخبار عني، أو يحاربون كتبي، ويحجبون مسرحياني عن النَّاس. أنا على يقين أن كتبي وأعمالي ستظهر في يوم من الأيام، وتأخذ مكانها اللائق بين النَّاس، في حين تطمس أعمالهم وأسماؤهم في بحر النسيان؛ لهذا فأنا لن أتوقَّف عن الكتابة، ولا يهمني أن ينشر ما أكتب في حياتي، إنِّي أرى جيلاً مسلماً قادماً يتسلَّم أعمالي ويرحب بها". ولقد صدقت نبوءته، ويا ليته بيننا ليرى أن الذين حاربوه آنذاك لم يعد لهم ذكر ولا لكتبهم، أمَّا كتبه، وكتب صديقه محمَّد عبد الحليم عبد الله، فقد تألقت، وأعيدت وتعاد طباعتها مرات ومرات. بينما اختفت من السوق كتب من هاجموه. وفي اليوم العاشر من نوفمبر عام 1969م خلع باكثير ملابس الأحياء مرخياً أهدابه بعد أن فاضت روحه إلى بارئها، ولم يترك ذرية من صلبه إلاَّ أنَّه كان نعم الأب، ونعم الراعي لابنة زوجته التي رعاها حق الرعاية. رحل بعد أن سجَّل تاريخه بصمات واضحة في حياتنا الأدبية، ورسمت خطواته علامات سبَّاقة على مسيرتنا الثقافية، فلقد تفرّد دون غيره بكثير من الـمواهب التي أضاءت نفسها بنفسها، رغم مساحة الظلّ الكبيرة التي فُرِضت عليه أثناء حياته. فسلام عليه رُبَّاناً مخلصاً لم تصافه الرياح، وسلام عليه مجاهداً لم يغمد قلمه حتى واراه التراب.
|
||||
|
|
|
|
|
#2 | |||||
|
رب اغفر لي وارحمني
|
لو تجعليها على شكل سلسلة رعاك الله |
|||||
|
|
|
|
|
#3 | ||||
|
بذرة
|
|
||||
|
|
|
|
|
#4 | ||||
|
بذرة
|
والشخصية الثانية أديب أبكاه حال العرب وماهم فيه من ضياع ...........
محمود غنيم.. كان محمود غنيم ـ رحمه الله تعالى ـ من ذلك الرعيل الذي أشرب حب الشعر العربي الجزل، بديباجته الرائعة، وصوره الدافئة، ومعانيه المتألقة، وأخيلته المجنحة، وهو إلى ذلك شاعر مصري أصيل، عذب البيان، سلس العبارة، موسيقي اللفظ. ولد الشاعر محمود غنيم (1902 ـ1972م) في الريف المصري، وبالضبط في قرية "مليج" وهي إحدى قرى محافظة المنوفية بمصر، وقد عاش وسط أسرة تتمتَّع بسمعة طيبة، وتحترف الزراعة والتجارة.وقد عاش الشاعر سبعين عاماً قضاها كلها في كفاح طويل: فقد عاش أليفاً للمحن وخطوب الأيام التي هيأته ليكون في طليعة شعراء العربية وأدبائها فحولة وأصالة وصدقاً والتزاماً. النشأة الثقافية: بدأ الشاعر غنيم حياته العلمية بدخوله الكتَّاب لحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ "على عيسي" في قريته "مليج". وفي الثالثة عشرة من عمره التحق بمعهد طنطا الأزهري، ومكث فيها أربع سنوات ثم التحق بمدرسة القضاء حيث مكث فيها ثلاث سنوات (1919 ـ1923). وقبل أن ينهي دراسته فيها تم إلغاؤها، فالتحق بالمعاهد الدينية (1923ـ1924) ونال منها الشهادة الثانوية، وعين مدرساً في المدارس الأولية في بعض القرى. وفي عام 1925م التحق بدار العلوم وتخرج منها سنة 1929م، فعين مدرساً حيث مارس هذه المهنة تسع سنوات نظم خلالها أعذب قصائده وأجملها. وفي سنة 1938م انتقل إلى القاهرة، وفيها وجد الفرصة للاتصال بالشعراء والأدباء ودور النشر والصحف والمجلات الأدبية، ونظراً لمجهوده الثقافي عُين مفتشاً أول للغة العربية، ثم عميد اللغة العربية. ويشير الشاعر إلى حياته الأولى في قصيدته "حنين إلى الماضي"، وهي إحدى قصائد ديوانه المخطوط، فيقول: سلام عليها في "مليج" مثـابة حفظت بها السبع القصار المثانيا سلامٌ على طنطا ومعهدها الذي نظمــتُ به قـــبل البلوغ القوافــيا سلامٌ على دار القضــاء وأهلها ورَبعٍ من العرفان أصــبح خــاويا سلامٌ عـلى دار العلوم وعهـدها وهيهات هذا العهـــد يرجـــع ثانيا لم تهدأ قريحة محمود غنيم في البحث والاطلاع؛ لذلك تختلط نشأته الثقافية بظروف عمله، فقد كان يدرس ويثقف وهو يعمل، وكان يعمل وهو يدرس وينمي معارفه. فعندما عاش الشاعر في "كوم حمادة" تسع سنوات عمل مدرساً في مدرستها الإبتدائية، وفي أوائل عهده بالوظيفة تزوج من أسرة كريمة في بلدته، واستقبل أول مولود له بقصيدته "تحية مولود".وفي هذه الفترة نظم أحلى قصائده، منها: لا تخدعوني بالمنى، الأمل الطائح، فجيعة في ساعة، العيد والأزمة، راتبي، والأسد السجين؛ التي يرمز فيها لنفسه ولحياته في هذه القرية الريفية المتواضعة. شعره في الإسلام وحضارته ومجده: حين نرصد المظاهر الإسلامية في شعر "محمود غنيم" ندرك أنَّه يخصص جانباً من دواوينه ويجعله تحت هذا المسمى "إسلاميات"، وكما سبق؛ فقد كانت البيئة التي عاش فيها لها أثرها العميق في توجه الشاعر إلى هذا الغرض، وفي اتساع آفاق الرؤية الإسلامية وتأثيرها في شاعريته. ورؤية الشاعر الشعرية الدائرة في فلك التصور الإسلامي يمكن أن نحدد بعض معالمها في الظواهر الآتية: 1 ـ الرؤية الحضارية للمد الإسلامي: وهذه الرؤية الحضارية للوجود الإسلامي في بعض تجاربه الشعرية يبثها من وحي زيارته للأراضي المقدَّسة، حين قام بأداء فريضة الحج.. فهو يبثُّ المكان أشجانه، ويشتاق إلى المشاعر المقدَّسة، وفي الوقت ذاته: لا ينسى واقع المسلمين، فيدعوهم أن يكونوا على قلب رجل واحد.. فيقول: دار النبـــــوة ذنبي عـــنك أبعــــدني وحســـن ظــــني بربي مــنك أدناني قد كـنت ألقاك في لوحي وفي كتــبي وفي سطــــــور أحـــــاديثي وقرآني ثم يشيد الشاعر بفضل رسالة الإسلام التي انطلقت من مكَّة المكرَّمة ومن المدينة المنوَّرة.. وتمتزج هذه الرؤية الحضارية لدور الإسلام الفاعل والمؤثر في حركة الحياة بمشاعر التضرع والمناجاة.. ففي نهاية قصيدة: "في أرض النبوة" يتأثر الشاعر بمعاني القرآن الكريم.. في أسلوب مشرق واضح.. يقول: يا ربّ قد عشت في دنياي مغتربا ويلاه إن أغترب في العالم الثاني أستغفر الله من كفـــران نعمـــــته بل فوق ما أستحق.. الله أعطاني ألم يجــــــدني أخا غي فأرشـــدني وهائماً غير ذي مـــــأوى فآواني 2 ـ الأحداث والمواقف الإسلامية: كان غنيم عامر القلب بالإيمان بحضارة بلاده وتراثها وعقيدتها السماوية الخالدة. وقد أعلن ثورته على الحضارة الغربية في قصيدته "ثورة على الحضارة". وكتب يمجِّد حضارة الإسلام، ويأسى لغزو الحضارة الغربية لها، ولاحتلال الغرب مكانة حضارتنا الخالدة، وذلك في قصيدته المشهورة "وقفة على طلل". وحينما نتأمل هذا المعلم نجد أنَّه لم يعن بتسجيل الأحداث التاريخية الإسلامية عناية كبيرة، حيث لم يسجل المناسبات الإسلامية التي ألف الشعراء أن ينظموا في ظرفها الزمني قصائدهم كلما حان موعد المناسبة. وكأنَّ الشاعر يعلن بهذا المسلك الفني أنَّ التاريخ الإسلامي ليس أحداثاً تروى، وله تصوير رائع في قصيدته (الركب المقدَّس) وهو يتابع الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة ويرصد آثار ذلك الحدث الإسلامي. 3 ـ التأملية في ظلال الرؤية الإسلامية: إنَّ التأمل في شعر غنيم لا يمثل تياراً رئيسياً، فشعره ينزع إلى تجسيد العاطفية وإذكاء المشاعر الإسلامية، ولا يقحم تجربته في شعاب الفكر.. بحيث تخبو العاطفة، ويعلو صوت الذهن، وإيقاع الفكر.. وشاعريته لم تبتعد كثيراً عن آفاق التجربة التأملية، ولكن التأمل في شعره ممتزج بالعواطف الحارة والمشاعر الإنسانية الدافئة، ولا يلقيه التأمل بعيداً عن ظلال الرؤية الإسلامية. وفاته: في عام 1938م صدر قرار بنقل الشاعر إلى القاهرة مدرساً للغة العربية، بمساع كريمة من بعض محبي الأدب والشعر، ومن بينهم "أنطون الجميل" رئيس تحرير الأهرام آنذاك. وقد شكره الشاعر بقصيدة عندما أتى إلى القاهرة، واختير لمدرسة "الأورمان" المشهورة. وهناك عاش مع الشعراء والأدباء ودور النشر والصحف والمجلات، وفي مقدمة هذه المجلات "مجلة الرسالة" التي كانت تنشر له آنذاك شعره باحتفاء كبير. وقد رقي إلى منصب "مفتش" للغة العربية، وأخيراً وصلت بالشاعر خطاه إلى منصب: "عميد اللغة العربية" بوزارة التربية والتعليم، وكان ذلك آخر عهده بالمناصب. واختير عضواً بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وقويت علاقاته بالأدباء والمفكرين وبالصحف ودور النشر؛ حتى ذاع صيته ولمع نجمه وبات من المرموقين في عالم الأدب بوجه عام والشعر بوجه خاص، كما نال كثيراً من الجوائز على أعماله الشعرية التي كان من أجلها ديوانه (صرخة في واد) الذي كان أساس صرح مجده الشعري. ذهب غنيم إلى الديار المقدَّسة لأداء فريضة الحج، وقال في ذلك قصيدتيه (في أرض النبوة) و(حمائم الحرم).. بعدها توالت الأحداث ووهنت صحته ، وقد صوَّر ضعف حالته في قصيدته (حنين إلى الماضي) وهي إحدى قصائد ديوانه المخطوط. وفي عام 1972م ودع الشاعر الحياة بعد أن خلَّف لنا ثروة شعرية عظيمة، وشيعه أحبابه وتلاميذه بدموع غزار، وطوى الموت خليفة "حافظ"، بعد أن سجَّل في التاريخ صفحات جليلة في خدمة أمته ووطنه وعروبته.. وإسلامه ولغة القرآن الكريم وآدابها وتراثها الخالد. وقد صدق الشاعر "مصطفى بهجت بدوي" في رثاء غنيم، حين قال: أنت بالشعـــــــــر ترجمــان لواديـ ـك، رســــــول محـــــذر متفــــائل كم نظمت القصيد "صرخة واد" ودواوينُ عــــبقـــــري مناضــــــل آخر من قام بالتعديل شهيدة; بتاريخ 13 Jul 2005 الساعة 01:52 AM. |
||||
|
|
|
|
|
#5 | |||||
|
( ربِّ هبْ لي حُكماً وألحقني بالصَّالحين )
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاته بارك الله فيكِ أخيتي على جهدك الطيب حبذا لو تم توضيح الخط وتنسيق الفقرات بتلوين الإقتباسات وهكذا حتى تسهل القراءة جزاكن الله الجنان ![]() |
|||||
|
|
|
|
|
#6 | ||||
|
بذرة
|
عائشة التيمورية" تطالب بتعليم البنات وحسن رعايتهن
وُلدت عائشة بنت إسماعيل باشا تيمور سنة (1256هـ الموافق 1840م) لوالدة شركسية الأصل تدعي "ماهناب هانم". وكان أبوها "إسماعيل باشا تيمور" وكيل دائرة محمد توفيق باشا، والى عهد الخديوية المصرية، وقد توفي عام 1289هـ. نشأت التيمورية في بيت علم ودين فأخوها المحقق المعروف "أحمد تيمور باشا". عُرف عنها الدأب والحرص على التعلُّم والتأدب، فأخذت النحو والعروض على "فاطمة الأزهرية" و"ستيتة الطبلاوية"، فبرعت فيهما، وأخذت الصرف واللغة الفارسية على "خليل رجائي"، وأخذت القرآن الكريم والخط والفقه على "إبراهيم قونس"، ثمّ تطلعت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية والدواوين الشعرية، فطالعتها مطالعة هيأت لها ملكة التصورات لمعاني التشبيهات البديعة، حتى جمعت ثلاثة دواوين باللغات الثلاث: العربية والتركية والفارسية. كانت والدتها تأبى عليها التفرغ للكتابة والقراءة؛ لأنَّ ذلك لم يكن محموداً من بنات هذا العصر، فكانت تعنفها لتركها التطريز والحياكة وما شاكلها من دروس التربية النسوية، وإقبالها على الكتب والدواوين، وإصغائها إلى نغمات الكُتَّاب الذين كانوا يترنّمون في بعض نواحي القصر أثناء النقل والإملاء. وكان والدها يقول لوالدتها عندما يرى النقاش قد احتدم بينهما: "دعي هذه الطفيلة للقرطاس والقلم، ودونك شقيقتها فأدبيها بما شئت من الحكم". تزوَّجت عائشة من السيد الشريف "محمود بك الإسلامبولي" سنة 1271هـ. وبعد زواجها اقتصرت على المطالعة والإنشاد، وتفرَّغت لأعمال المنزل، وأنجبت بنتين وولداً، أسمَّت الكبرى "توحيدة" وأسمَّت الولد "محمود بك". توحيدة أحسنت التيمورية تربية ابنتيها وولدها، وقد أوكلت إلى ابنتها توحيدة مهمات المنزل حتى باتت مدبرته، ولكنها توفيت وهي لم تبلغ بعد من العمر ثمانيةَ عشرَ عاماً، فنزل بعائشة حزن وأسى ثقيلان على فقدانها ابنتها، وتركت العلوم والمطالعة، وأمضت سبعة أعوام متواصلة ترثي ابنتها إلى أن أصاب عينيها الرمد، ولم تقلع عن رثاء ابنتها إلاّ بعد محاولات مضنية من الأهل والأولاد استمرت طيلة السنوات السبع، بعدها كانت رياح السلوى تتسرَّب إلى نفسها شيئاً فشيئاً حتى توقفت عن رثاء توحيدة التي ذهبت بجزء من كيانها ووجدانها! قسَّم النقاد شعر عائشة التيمورية إلى ستة أقسام: الأخلاقي، والديني، والغزلي، والشعر العائلي، وشعر المجاملات، وشعر الرثاء الذي كان له نصيب الأسد في شعرها، ولاسيما في رثاء ابنتها توحيدة، التي أوقفت شعرها على رثائها طيلة سبعة أعوام متواصلة لا تكتب إلاَّ رثاء، وقد تميَّز شعرها بجلاء الصورة وحيويتها، وعمق الدلالة، ونضج التجربة الشعرية، وممَّا قالته في رثاء توحيدة نقتطع هذا المقطع من قصيدة طويلة: بنتاه يا كبدي ولوعة مهجــتي قد زال صفو شأنه التكــدير لا توص ثكـلى قد أذاب وتينها حزن عليـك وحسرة وزفـير وبقبلتي ثغراً تقـضّى نحــبه فحرمت طيب شذاه وهو عطير والله لا أسلو التلاوة والدعــا ما غرّدت فوق الغصون طيور كلا ولا أنسى زفير توجــعي والقد منك لدى الثرى مـدثور إنِّي ألفت الحــزن حتى إنني لو غاب عني سـاءني التأخـير قد كنت لا أرضى التباعد برهة كيف التصبُّر والبعـاد دهـور أبكـيك حتى نلتقي في جــنة برياض خلد زيَّنتها الحــور مُتعت بالرضوان في خلد الرضا ما ازيَّينت لك غرفة وقصـور رسالتها إلى المربين انعكست وفاة "توحيدة" على حياتها واهتماماتها، فكانت مهتمة بتربية البنات وحسن تأديبهن وإعدادهن لبيوت أزواجهن، إيماناً منها أنَّ صلاح الأمّة من صلاح المرأة، إن هي فهمت دورها، ورُبيت على هذا الدور، وأتيحت لها فرصة ممارسة دورها التربوي في مناخ يؤهلها لذلك. كتبت في جريدة "الآداب" سنة 1306هـ تحت عنوان "لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات" مقالة طويلة في هذا الشأن، نقتطف منها هذا المقطع الذي تطالب فيه ولاة الأمور بالعناية ببناتهن وتعليمهن ليتحصنّ بالمعرفة ضد الجهل! فقالت: "كيف تحسن الشفقة الوالدية بإساءة المشفق عليه. فلو عني رجالنا ـ معاشر المسلمين ـ بتربية بناتهم، وأجمعوا على تلقينهن العلوم بمقدار شفقتهم لنالت أرفع مجد وأهنأ جد، ولعوَّضت تلك الفتيات عن ذلك القلق براحة العرفان، وأوسعت بسواعد معلوميتهن مضيق السلوك إلى ساحة الإذعان، وقامت بواجبات التدبير وهمَّت بوقاية أساس حليتها من التدمير؛ لأنَّ خراب الدور بعد انقطاع أهلها طبيعي وليس بضار. إنَّما هدم سقف الشرف بصرصر الجهل مع وجود الديار هو العار، بل النار. ومن المستغرب أن يفرِّط الفارس في تمهيد الأصل، ويأسف على اعوجاج الفرع، وهو المودي به! فلو أروت الرجال غرائسها من قرارة المعرفة والعرفان لاتكأت في ثقل الأحمال على قويم تلك الأفنان، وصعدت بمساعدتهن أعلى الدرج وتمسّكت بأقوى الحجج. ولكن تعالت هيئتنا هذه في التنمُّق عن التهذيب بحجّة أوهى من بيت العنكبوت، وهي أنهن إذا تعلمن الكتابة يعلقن بالهوى ومغازلة السوى بالجوى، وبادرن بالمراسلات. ألم يطرق مسامعهم روايات الأميين وأحاديث الجاهلين؟ فيا رجال أوطاننا وملاّك زمام شأننا، لم تركتموهن سدى، وذهلتم عن مزايا التأمل فيما تفعل اليوم وستلقاه غداً؟ نجلتم عن أن تمدُّوهن بزينة الإنسانية الحقيقية، ورضيتم بتجرُّدهن عن حليها البهية، وهن بين أنامل سطوتكم أطول من قلم، وخضوعهن لسلطتكم أشهر من نار على علم، فعلام ترفعون أكفّ الحيرة عند الحاجة كالضال المعنى، وقد سخرتم بأمرهن وازدريتم باشتراكهن معكم في الأعمال واستحسنتم انفرادكم في كلّ معنى؟ فانظروا عائد اللوم على من يعود؟! وفي عام (1318هـ الموافق 1902م) توفيت الأستاذة "عائشة التيمورية" عن اثنتين وستين سنة، مثّلت خلالها جانباً مهماً من الحياة المصرية في القرن التاسع عشر، هو جانب من الخدر التركي المصري أو المتمصر، وهي إذا كانت لم تصفه كلّ الوصف، فحسبها من وصفه وتمثيله أنَّها لم تكتب شيئاً يخرج عن نطاق البيئة التي عاشتها، وقد عرف عنها طيلة حياتها التقوى والصلاح. آخر من قام بالتعديل شهيدة; بتاريخ 15 Jul 2005 الساعة 02:23 AM. |
||||
|
|
|
|
|
#7 | ||||
|
بذرة
|
إصلاح العقيدة هو أسـاس كلّ إصلاح، فقد قال الإمام مـالك ـ رضي الله عنه ـ : "لا يصلح أمر هذه الأمَّة إلا بما صلح به أوَّلها". وهو الشعار الذي رفعه المصلحون في الجزائر، وجسَّدوه في أقوالهم وأفعالهم، وكتاباتهم، فها هو الشيخ مبارك الميلي ـ مؤرِّخ الجزائر وأحد علمائها ـ يكتب في العشرينيات من القرن الماضي في أحد أعداد جريدة (المنتقد) :"من حاول إصلاح أمَّة إسلامية بغير دينها، فقد عرَّض وحدتها للانحلال وجسمها للتلاشي، وصار هادماً لعرشها بنيَّة تشييده". كان هذا هو منهج الإمام البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ الذي التزمه طيلة حياته المحتشدة بالأحداث الجسام، والتحوُّلات العظيمة، والجهاد لعودة المجتمع الجزائري إلى ينابيعه الأصيلة، واضطلاع المرأة الجزائرية بدورها في نهضة المجتمع المسلم. وُلد الإمام محمد البشير طالب الإبراهيمي بقرية "رأس الوادي" التابعة لمدينة "سطيف" بالشرق الجزائري في 14يونيو عام1889م في بيت علم ودين، وقد أتمَّ حفظ القرآن الكريم على يد عمّه الشيخ المكي الإبراهيمي الذي اكتشف مواهبه المتعددة في وقت مبكر، وكان له فضل تربيته وتكوينه حتى جعل منه ساعده الأيمن في تعليم الطلبة.في عام 1911م لحق الإبراهيمي بوالده الشيخ السعدي الابراهيمي الذي هاجر إلى المدينة المنوَّرة عام 1908م هرباً من ويلات الاحتلال الفرنسي، وقد مرَّ في طريقه إلى المدينة بمصر وأقام فيها ثلاثة أشهر، التقى خلالها عدداً من علمائها، وأدبائها، وحضر بعض دروس العلم في الأزهر الشريف.وعندما استقر في المدينة المنوَّرة، درس على كبار علمائها علوم التفسير، والحديث، والفقه، والتراجم، وأنساب العرب، وأمهات كتب اللغة والأدب، وبعد فترة من الدرس والتحصيل أصبح يلقي دروساً على طلبة العلم في الحرم النبوي الشريف، ويقضي أوقات فراغه في المكتبات العامة والخاصة بحثاً عن المخطوطات. عاد الإبراهيمي إلى الجزائر مرَّة أخرى عام 1920م بعد سفره إلى دمشق والمكوث بها ثلاث سنوات لتدريس الآداب العربية في المدرسة السلطانية (مكتب عنير). وعند عودته إلى الجزائر كان مشغولاً بفكرة وجود حركة تحيي الإسلام في وطنه، وتنشر العلم، وتبعث شباب وفتيات الأمَّة. أُعجب بعد وصوله بالنتائج المثمرة التي حققها الإمام عبدالحميد بن باديس رحمه الله، الذي سبق أن التقاه بالمدينة المنوَّرة في موسم الحج عام 1913م. فكان هذا اللقاء مقدِّمة اللقاء الأخير الذي رأى ثماره بين الجزائريين، فأسَّس والشيخ ابن باديس جمعية "العلماء المسلمين الجزائريين" في 1931م، كردّ فعل إيجابي على احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر، وقد أيقنت فرنسا أنَّ الجزائر أصبحت قطعة منها إلى الأبد، نصرانية الدين، فرنسية اللسان. وجاء شعار الجمعية صارخاً مدوِّياً في وجه فرنسا، راسماً طريق الخلاص منها. كانت عبارات الشعار تقول :"الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا".وضع الإبراهيمي دستور الجمعية، وقانونها الأساسي، وأصبح نائباً لرئيسها الإمام ابن باديس، ثمَّ تكفَّل بالمقاطعة مع الغرب عام 1933م واختار مدينة تلمسان مركزاً لنشاطه المكثَّف، وأسس فيها مدرسة "دار الحديث" سنة 1937م وبناها على نسق هندسي أندلسي أصيل، فكانت مركز إشعاع ديني وعلمي وثقافي.لم يكن الفرنسيون ليغضوا الطرف عن هذا الطوفان الثائر، الذي حرَّك الناس واجتذبهم إليه، فحاولوا إغراءه واحتواءه وترويضه، فلم يجدوا له سبيلاً، فأعادوا الكرَّة بتثبيطه وعرقلة مسيرته، فلم يُفلحوا ! وبعد عدَّة محاولات قررت سلطات الاحتلال نفيه إلى قرية آفلو في الجنوب الغربي من الجزائر في مطلع الحرب العالمية الثانية.بعد أسبوع من نفيه تلقَّى خبر وفاة رفيقه الإمام عبدالحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ وخبر اجتماع أعضاء الجمعية، وانتخابهم إياه رئيساً للجمعية برغم الضغوط الفرنسية الرامية إلي انتخاب غيره، فتحمَّل مسؤولية قيادة الجمعية غيابياً، وتولَّى إدارتها بالمراسلة طوال الأعوام الثلاثة التي قضاها في منفاه.وبعد إطلاق سراحه عام 1943م أصبح قائداً للحركة الدينية والعلمية والثقافية في الجزائر، يجوب ربوعها معلِّماً وموجِّهاً ومرشداً، يوحِّد الصفوف ويؤسِّس المدارس والمساجد والنوادي، ويهيئ العقول لساعة الصفر التي كانت تخطط لها نخبة من الحركة السياسية.وفي أثناء إعداده للشباب والرجال، لم ينس الإبراهيمي الفتيات والنساء، فكان يقول:"المرأة المسلمة موضوع ذو شعب: جهلها، تربيتها، تعليمها، حجابها، وظيفتها في البيت. والرجل المسلم موضوع أكثر تشعُّباً، والشاب المسلم موضوع، والطفل كذلك. كانت المرأة المسلمة في الجزائر ـ إلى عهد قريب لا يتجاوز أربعين سنة ـ من محاضرة ألقاها عن المرأة عام 1953م ـ محرومة من كلّ ما يسمَّى تعليماً، إلا شيئاً من القرآن يؤدِّي إلى معرفة القراءة والكتابة البسيطة، وهذا النوع على سذاجته خاص ببعض بيوت العلم، ولا يجاوزون بالبنت فيه الثانية عشرة من عمرها، والسبب في هذه الحالة نزعة قديمة خاطئة راجت بين المسلمين، وهي أنَّ تعليم البنت مفسدة لها، ويلوك أصحاب هذه النزعة آثاراً مقطوعة الأسانيد، مخالفة لمقاصد الشريعة العامة.هذه هي علَّة العلل في الحالة التي أفضت بالمرأة المسلمة إلى هذه الدرجة، التي ما زالت عقابيلها سارية في المجتمع الإسلامي، وما زالت لطخة عار فيه، وإنَّ المرأة إذا تعطَّلت عطَّلت الرجل، وإذا تأخَّرت أخَّرته، ولا سبب لانحطاط المرأة عندنا إلا هذا الضلال الذي شوَّه الدين وقضى على المرأة بالخمول، فقضت على الرجل بالفشل، وكانت نكبة على المسلمين".وكان يدعو الآباء والشباب إلى الزواج للحفاظ على تماسك المجتمع الجزائري وعفّته، وتكثير سواد المسلمين في مواجهة الطغيان الصليبي الذي اجتاح الديار، فكان ينادي في الآباء قائلاً: "يا أيُّها الآباء.. يسِّروا ولا تعسِّروا، وقدِّروا لهذه الحالة عواقبها وارجعوا إلى سماحة الدين ويسره وإلى بساطة الفطرة ولينها. إنَّ لبناتكم مزاحمات في السوق على أبنائكم ـ يقصد بنات المحفل ـ وإنَّ معهن من الإغراء والفنون ما يضمن لهن الغلبة في الميدان، فحذار أن يغلب ضعفهن قوتكم". ثمَّ يوجِّه خطابه للشباب يحضُّهم على الزواج والحرص عليه، فيقول :"أيُّها الشبان إنَّكم لا تخدمون وطنكم وأمَّتكم بأشرف من أن تتزوَّجوا، فيصبح لكم عرض تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنها، وأولاد يوسعون الآمال، هنالك تتدرَّبون على المسؤوليات، وتشعرون بها، وتعظم الحياة في أعينكم، إنَّ الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه وتزيد في إيمانه، وإنَّ الإعراض عن الزواج فرار من أعظم مسؤولية، قد كان أجدادكم العرب يضعون نساءهم وذراريهم خلف ظهورهم في ساعة اللقاء لئلا يفرُّوا.. وهذا هو الحفاظ". وكانت القضايا الاجتماعية وقضايا المرأة على وجه الخصوص من أوَّل القضايا التي استرعت انتباهه، ذلك أنَّ المرأة هي عمق أيّ مجتمع وهي حاضنته، منها الانطلاقة وإليها الأوبة، فكان يركِّز عليها ويفعِّل دورها ويجعلها محوراً مهماً في مقاومة المحتل. سافر الإبراهيمي إلى المشرق العربي عام 1952م ممثلاً لجمعية العلماء، ليسعي لدى الحكومات العربية لقبول بعثات طلابية جزائرية في معاهدها وجامعاتها، وطلب الإعانة المادية والمعنوية للجمعية، حتى تستطيع مواصلة أعمالها وجهادها، وقد اتخذ من مصر منطلقاً لنشاطه، ورعى فيها أوَّل البعثات الطلابية، وكان سفيراً للجزائر وصوتها المدوِّي، يلقي المحاضرات والدروس في المراكز الإسلامية، والأحاديث الإذاعية في الإذاعة، قبل الثورة وفي أثنائها، يدعو الشعب إلى الالتفاف حول الثورة المسلحة، وخوض غمار الجهاد المقدَّس ضد الاحتلال، والتضحية بالنفس والنفيس، فكان هذا النداء إسكاتاً لكلّ من يريد التشكيك في شرعية الجهاد باسم الإسلام، ودفعاًَ قوياً للثورة الوليدة. عاد الإبراهيمي إلى وطنه بعد استعادته، واستقلاله، وقد اضطرته الأوضاع إلى التقليل من نشاطاته بسبب تدهور صحته من جهة، وبسبب سياسة الدولة التي شعر أنَّها حادت عن الاتجاه الإسلامي من جهة أخرى، فانحصر نشاطه في أمرين: الأوَّل: إلقاء أوَّل خطبة جمعة بعد الاستقلال، افتتح بها مسجد "كتشاوة" الذي عاد كما كان مسجداً بعد أن حوَّله الاحتلال الفرنسي إلى كاتدرائية، طوال قرن وثلث قرن.الأمر الثاني: إصداره بياناً في 16 أبريل 1964م دعا فيه السلطة آنذاك إلى العودة إلى الحكمة والصواب، وإلى جادَّة الإسلام، بعد أن رأى البلاد تنحدر نحو الحرب الأهلية، وتنتهج نهجاً ينبع من مذاهب دخيلة مضادة لعقيدة الشعب الجزائري وجذوره. وفي يوم 20مايو1964م توفى الإمام المجاهد محمَّد البشير عن ست وسبعين سنة قضاها في العلم والجهاد، ودعوة العباد للعودة إلى خالقهم، فاللهمّ ارحم عبدك البشير رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى. |
||||
|
|
|
|
|
#8 | |||||
|
:: قلب معطاء .. مشرفة سابقة ::
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واضح الجهد الذي قمتي به اختي نجوم لاحرمك الله الأجر يا غاليه والفكره جد مميزه لكن لي طلب لاعدمتكـِ .. أرجو أخيتي أن تغيري نوع الخط وحجمه .. وأيضاً أستخدمي الألوان في تمييز الأسماء والفقرات وما الى ذلك حتى يتسنى لي القراءه لأني بصراحه ما قرأت الا البدايه فقط حتى أعرف الفكره .... ولم أكمل لأنني لم أستطع ذلكـ تحملينا عاد خواتكـ وبنتعبكـ معانا : ) لكـِ من الحب والتقدير أوفره أختكـِ أم عمـاره .. قيل: إننا نشكو لأن الله جعل تحت الورود أشواك.. وكان الأجدر بنا أن نشكره لأنه جعل فوق الشوك وردا !! ساهمي معنا بالتبليغ عن المشاركات المخالفة بالضغط على هذا الرمز في المشاركة المخالفة .oOo ترى الابتسـامة صدقة=] oOo
|
|||||
|
|
|
|
|
#9 | ||||
|
بذرة
|
ولد الشــيخ علي الطنطاوي في مدينة "دمشـــق" في 23 جمادى الأولى 1327 هـ (12 يونيو 1909 م) من أسرة علم ودين، فأبوه الشيخ "مصطفى الطنطاوي" من أهل العلم، وجده الشيخ "محمد الطنطاوي" عالم كبير، وخاله الأستاذ "محب الدين الخطيب" الكاتب الإسلامي الكبير والصحافي الشهير. تفتح وعيه على قنابل الحلفاء تدك عاصمة الأمويين، وفلول الأتراك تغادر المدينة، وديار الشام مقفرة بعد أن عز الطعام وصارت أوقية السكر (200 غرام) بريال مجيدي كان يكفي قبل الحرب لوليمة كبيرة. وكان أول درس قاس تعلمه وعاشه: تفكك الدولة العثمانية وتحول ولاياتها السابقة إلى دويلات. فسوريا أصبحت أربع دول: واحدة للدروز، والثانية للعلويين، والثالثة في دمشق، والرابعة في حلب. كان الفتى علي الطنطاوي وقتها مازال تلميذا في المدرسة لكن وعيه كان يسبق سنه، فعندما أعلن في مدرسته عن المشاركة في مسيرة لاستقبال المفوض السامي الجديد "الجنرال ويفان" الذي حل محل "الجنرال غورو"، رفض ذلك وألقى خطبة حماسية، قال فيها: "إن الفرنسيين أعداء ديننا ووطننا ولا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم". لله درك يا فتى! أدركت ما لم يدركه الكبار، فكيف تستقبل أمة عدوها الذي سلبها حريتها؟ وكيف تنسى ما قاله قائد هذا العدو بعد معركة "ميسلون" ودخول الشام عندما زار الجنرال غورو قبر صلاح الدين وقال له: "ها نحن عدنا يا صلاح الدين.. الآن انتهت الحروب الصليبية". تلك المعركة التي كانت نقطة تحول في وعي الفتى علي الطنطاوي، فقد خرج منها بدرس ممهور بدماء الشهداء واستقلال الأمة.. درس يقول: إن الجماهير التي ليس عندها من أدوات الحرب إلا الحماسة لا تستطيع أن ترد جيشاً غازياً. أصبح الاحتلال الفرنسي واقعاً جديداً في سوريا، وغدا حلم الدولة المستقلة أثراً بعد عين، وكما حدث في كل بقاع العالم الإسلامي كان العلماء رأس الحربة قي مواجهة المحتل، وتولى الشيخ "بدر الدين الحسيني" شيخ العلماء في مدن سوريا قيادة ثورة العلماء الذين جابوا البلاد يحرضون ضد المستعمر، فخرجت الثورة من غوطة دمشق، وكانت المظاهرات تخرج من الجامع الأموي عقب صلاة الجمعة فيتصدى لها جنود الاحتلال بخراطيم المياه ثم بالرصاص، والشاب علي الطنطاوي في قلب تلك الأحداث. خطيب المقاومة في أحد الأيام كان على موعد لصلاة الجمعة في مسجد القصب في دمشق، فقال له أصحابه: إن المسجد قد احتشد فيه جمهور من الموالين للفرنسيين واستعدوا له منذ أيام وأعدوا خطباءهم، فرأينا أنهم لا يقوى لهم غيرك، فحاول الاعتذار، فقطعوا عليه طريقه حين قالوا له إن هذا قرار الكتلة "كان مقاومو الاحتلال ينضوون تحت لواء تنظيم يسمى الكتلة الوطنية وكان الطنطاوي عضوا فيها" فذهب معهم وكان له صوت جهوري، فقام على السّدة مما يلي "باب العمارة" ونادى: "إليّ إليّ عباد الله"، وكان نداء غير مألوف وقتها، ثم صار ذلك شعاراً له كلما خطب، فلما التفوا حوله بدأ ببيت شوقي: وإذا أتونا بالصفوف كثيرة * * * جئنا بصف واحد لن يكسرا وأشار إلى صفوفهم المرصوصة وسط المسجد، وإلى صف إخوانه القليل، ثم راح يتحدث على وترين لهما صدى في الناس، هما الدين والاستقلال، فلاقت كلماته استحساناً في نفوس الحاضرين، وأفسدت على الآخرين أمرهم، وصرفت الناس عنهم. ولما خرج تبعه الجمهور وراءه، وكانت مظاهرة للوطن لا عليه. في 1928م دعاه خاله "محب الدين الخطيب" للقدوم إلى مصر وكان قد أصدر مجلة "الفتح" قبل ذلك بعامين، فسافر علي الطنطاوي إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم، لكن المناخ الثقافي في مصر في ذلك الحين شده للانخراط في العمل الصحفي الذي كان يشهد معارك فكرية وسجالات أدبية حامية الوطيس حول أفكار التقدم والنهضة والإسلام والاستعمار وغيرها، وكان طبيعياً أن يأخذ الشاب علي الطنطاوي موقعه في صفوف الذائدين عن حياض الإسلام المناوئين للاستعمار وأذنابه، وظل الطنطاوي في موقعه لم يتراجع أو يتململ أو يشكو تكالب الأعداء أو قلة الإمكانات، فكان الفارس الذي لم يؤت من ثغره. لم يكمل دراسته في كلية دار العلوم، وعاد إلى دمشق ليلتحق بكلية الحقوق التي تخرج فيها عام 1933، ثم عمل مدرساً في العراق، ولما عاد إلى دمشق عمل قاضياً شرعياً، عن علم ودراسة، وتدرج في الوظائف التعليمية والقضائية حتى بلغ فيها مكانة عالية، ثم درّس في العراق سنة 1936م، ورجع إلى بلده فلم يلبث أن انتقل إلى القضاء، فكان القاضي الشرعي في "دوما"، ثم مازال يتدرج في مناصب القضاء حتى وصل إلى أعلى تلك المناصب، وكان قد ذهب إلى مصر لدراسة أوضاع المحاكم هناك. ذهابه إلى السعودية ثم هاجر إلى المملكة العربية السعودية 1963م فعمل في التدريس في كلية اللغة العربية وكلية الشريعة في الرياض، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة في مكة المكرمة، ثم تفرغ للعمل في مجال الإعلام، وقدم برنامجاً إذاعياً يومياً بعنوان "مسائل ومشكلات" وبرنامجاً تلفزيونياً أسبوعياً بعنوان "نور وهداية". وظل طوال تنقله بين عواصم العالم الإسلامي يحن إلى دمشق ويشده إليها شوق متجدد. وكتب في ذلك درراً أدبية يقول في إحداها: "وأخيراً أيها المحسن المجهول، الذي رضي أن يزور دمشق عني، حين لم أقدر أن أزورها بنفسي، لم يبق لي عندك إلا حاجة واحدة، فلا تنصرف عني، بل أكمل معروفك، فصلّ الفجر في "جامع التوبة" ثم توجه شمالاً حتى تجد أمام "البحرة الدفاقة" زقاقاً ضيقاً جداً، حارة تسمى "المعمشة" فادخلها فسترى عن يمينك نهراً، أعني جدولاً عميقاً على جانبيه من الورود والزهر وبارع النبات ما تزدان منه حدائق القصور، وعلى كتفه ساقية عالية، اجعلها عن يمينك، وامش في مدينة الأموات، وارع حرمة القبور فستدخل أجسادنا مثلها. دع "البرحة" الواسعة في وسطها وهذه الشجرة الضخمة ممتدة الفروع، سر إلى الأمام حتى يبقى بينك وبين جدار المقبرة الجنوبي نحو خمسين متراً، إنك سترى إلى يسارك قبرين متواضعين من الطين، على إحدهما شاهد باسم الشيح "أحمد الطنطاوي"، هذا قبر جدي، فيه دفن أبي، وإلى جنبه قبر أمي فأقرئهما مني السلام، واسأل الله الذي جمعهما في الحياة، وجمعهما في المقبرة، أن يجمعهما في الجنة، {رب اغفر لي ولوالدي} {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} رب ارحم بنتي واغفر لها، رب وللمسلمين والمسلمات". ويعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية الكبيرة في العالم الإسلامي، وشخصية محببة ذائعة الصيت نالت حظاً واسعاً من الإعجاب والقبول، وله سجل مشرف في خدمة الإسلام والمسلمين. كان يتمتع بأسلوب سهل جميل جذاب متفرد لا يكاد يشبهه فيه أحد، يمكن أن يوصف بأنه السهل الممتنع، فيه تظهر عباراته أنيقة مشرقة، فيها جمال ويسر، وهذا مكّنه أن يعرض أخطر القضايا والأفكار بأسلوب يطرب له المثقف، ويرتاح له العامي، ويفهمه من نال أيسر قسط من التعليم. اشتهر الشيخ الطنطاوي بسعة أفقه وكثرة تجواله وحضور ذهنه وذاكرته القوية؛ ولذلك تجيء أحكامه متسمة بصفة الاعتدال بعيدة عن الطرفين المذمومين: الإفراط والتفريط. وقد كتب في صحف بلده في الشام، فاحتل مكانة مرموقة فيها، ثم أضحى من كبار الكتاب، يكتب في كبريات المجلات الأدبية والإسلامية مثل "الزهراء" و "الفتح" و"الرسالة" و"المسلمون" و "حضارة الإسلام" وغيرها، وكانت له زوايا يومية في عدد من الصحف الدمشقية. ومن المجالات التي سبق إليها الكتابة في أدب الأطفال والمشاركة في تأليف الكتب المدرسية. وتحقيق بعض كتب التراث، وله جولات في عالم القصة فهو من أوائل كتابها. كانت مساجلاته تملأ الأوساط الفكرية والأدبية طولاً وعرضاً، وكان لا يكف عن إصدار رسائله التي يحذر فيها من مغبة الانخداع بالنحل الباطلة. ومن طريف ما تعرض له في إحدى مساجلاته ما يرويه عن نفسه: "كنا يوماً أمام مكتبة "عرفة" فجاء رجل لا نعرفه فاندس بيننا وحشر نفسه فينا، وجعل يتكلم كلاماً عجيباً، أدركنا منه أنه يدعو إلى نحلة من النحل الباطلة، فتناوشوه بالرد القاسي والسخرية الموجعة، فأشرت إليهم إشارة لم يدركها: أن دعوه لي، فكفوا عنه وجعلت أكلمه وأدور معه وألف به، حتى وصلت إلى إفهامه أني بدأت أقتنع بما يقول، ولكن مثل هذه الدعوة لا بد فيها من حجة أبلغ من الكلام، فاستبشر وقال: ما هي؟ فحركت الإبهام على السبابة، وتلك إشارة إلى النقود. قال: حاضر، وأخرج ليرتين ذهبيتين يوم كانت الليرة الذهبية شيئاً عظيماً. مد يده بالليرتين فأخذتهما أمام الحاضرين جميعاً، وانصرف الرجل بعد أن عرفنا اسمه، فما كاد يبتعد حتى انفجرت الصدور بالضحك، وأقبلوا عليّ مازحين، فمن قائل: شاركنا يا أخي، وقائل: اعمل بها وليمة، أو نزهة في بستان، قلت: سترون ما أنا صانع، وذهبت فكتبت رسالة، تكلمت فيها عن الملل والنحل والمذاهب الإلحادية، وجعلت عنوانها "سيف الإسلام" وكتبت على غلافها "طبعت بنفقة فلان" باسم الرجل الذي دفع الليرتين، وبلغني أنه كاد يجن ولم يدر ماذا يفعل، ولم يستطع أن ينكر أمراً يشهد عليه سبعة من أدباء البلد، وقد بلغني أن جماعته قد طردته بعد أن عاقبته". كما كان الفقيد –يرحمه الله- داعية شجاعاً ثابتاً على مبدئه لا يلين، ولا يهادن، كان يقتحم الأهوال، وينازل الرجال، يلج عرين الآساد، وربما عرض نفسه ـ باختياره - لمخالب تمزق جلد التمساح، كل ذلك في سبيل إيمانه بفكرته الإسلامية، والتضحية من أجل إعلائها مهما كان الثمن. وقد ترك الشيخ علي الطنطاوي أثراً كبيراً في الناس، وساهم في حل مشكلاتهم عن طريق كتابته ورسائله وأحاديثه، وقد كان له دور طيب في صياغة قانون الأحوال الشخصية في سوريا، وهو واضع مشروع هذا القانون على أسس الشريعة الإسلامية، كما وضع قانون الإفتاء في مجلس الإفتاء الأعلى، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي في بغداد. وفي كل أعماله كان يبتغي الأجر من ربه ويسعى إلى واسع مغفرته، يقول: "ينجيني قانون {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إني والله أخشى ذنبي ولكني لا أيأس من رحمة ربي.. وآمل أن ينفعني إذا مت صلاة المؤمنين عليّ ودعاء من يحبني، فمن قرأ لي شيئاً أو استمع لي شيئاً فمكافأتي منه أن يدعو لي، ولدعوة واحدة من مؤمن صادق في ظهر الغيب خير من كل ما حصّلت من مجد أدبي وشهرة ومنزلة وجاه". الطنطاوي مربياً رزق الشيخ الجليل خمساً من البنات، وقد كن لفقد إحداهن "بنان" ـ وقد قتلت اغتيالاً في مدينة "آخن" الألمانية - أكبر الأثر على نفسه، ولكنه احتسب الله فيها وتمسك بالصبر والتسليم بقضاء الله، وقد كان لفضيلته أسلوبه المتميز في التربية ومعاملة البنات. تقول حفيدته "عابدة العظم": نشأت وترعرعت في كنف جدي وأمي وأنا أعتقد ـ كما يظن ويعتقد كل طفل - أن كل الناس يتربون ويتوجهون في بيئة إن لم تماثل بيئتي فهي مشابهة لها، وكنت أسمع الناس يمتدحون جدي فلا أدرك من الحقيقة إلا أن الناس عرفوه لأنه يحدثهم في الراديو والتلفزيون، فأحبوه، فامتدحوه، وكنت أنا مثلهم أحبه كثيراً؛ لما أراه منه، فلم أعر الأمر اهتماماً. وما لبثت أن كبرت قليلاً، واختلطت بالناس، فبدأت أدرك شيئاً فشيئاً الفروق الجوهرية بين جدي مربياً وبين سائر المربين، وكنت كلما اجتمعت مع أقراني لمست التباين بين أسلوبه في التوجيه وبين أسلوب بقية الوالدين، وكنت كلما سمعت مشكلات الآباء في تربية الأبناء، أعترف لجدي بالتميز والإبداع في معالجة الأخطاء وتعديل الطباع، وساهمت خالاتي وأمي في تبصيري، وذلك بما كنّ يقصصنه عليّ من قصصهن مع جدي، وبما كن يكننّه له من الاحترام والشكر والتقدير، وبما كنّ يحملنه من إيمان عميق بالله، ومبادئ عظيمة تعلموها من شرع الله. فلم أكد أتفهم هذه الحقائق، وأتبين الأثر الكبير الذي أوجده جدي فينا، حتى شرعت في كتابة المواقف المهمة العالقة في ذاكرتي، إذ أحسست بأن هذه التوجيهات حري بها أن لا تبقى حبيسة معرفة بعض الناس الذين هم أحفاد الطنطاوي، بل ينبغي أن تنشر ليطلع عليها الناس، لتكون لهم عوناً في تنشئة أبنائهم وبناتهم، ولهذا أصدرت عنه كتابي. وعن كتابها "هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي" تقول: لم أكن عند جدي عندما عرض الكتاب عليه لأول مرة. فقد حمله إليه زوج خالتي "نادر حتاحت" بصفته ناشر الكتاب، ولما قرأه جدي اتصل بي هاتفياً، وقال: الكتاب جيد، بل هو جيد جداً، وأسلوبه جميل. لكنه عقّب بقوله: ومن الصعب عليّ يا ابنتي أن أمتدح هذا الكتاب، أو أدلي برأيي الصريح عنه، لأنه عني، وأخشى أن يظن الناس أني أفعل لأجل ذلك. ثم ختم كلامه بقوله: وأنا لست كما وصفت، فأنت التي جمّلت الحوادث وصورتيها بتلك الطريقة. وكان ذلك تواضعاً منه، فأنا ما كتبت غير الحقيقة، وما صورت إلا ما رأيته، وما قال ذلك جدي إلا تواضعاً. وعن رؤية الشيخ الطنطاوي للمرأة ـ وخصوصاً أنه لم يرزق بالبنين ـ تقول:ـ جدي إنسان كأي إنسان آخر، يحب أن يرزق البنين، فيحملون اسمه ويتعلمون مما علمه الله، ويكونون خلفاء له، وهو لم يتوقع أصلاً ألا يولد له ذكر، فلما جاءته ابنته الأولى رضي بقضاء الله وسعد بها، بل أحبها وأخواتها ـ من بعد - حباً شديداً، وأولاهن من العناية والرعاية والاهتمام ما لم يوله أب آخر ممن أعرف أو سمعت عنهم. أما احترامه للمرأة فهو شيء معروف عنه، وكان في أحاديثه يدافع عن النساء ويذبّ عنهن، ويحذر الرجال من الظلم والتعدي، وكان يردد دائماً: أن الدرجة للرجل على المرأة درجة واحدة، وليست سلماً! حتى لقّبوه بـ "ناصر المرأة"، وهو كذلك معنا، فقد كان يؤثرنا أحياناً ـ نحن الحفيدات - على الأحفاد، وقد بذل لنا الكثير، وأكرمنا زيادة عنهم في بعض المواقف، ولكن دون أن يشعروا؛ حتى لا يتسبب ذلك في أذاهم. وحول شخصية الشيخ علي الطنطاوي، وكيف جمع بين العلم والدين والأدب والحياة، تقول: ساءلت نفسي هذا السؤال مرة، ثم وجدت الجواب في سيرة جدي، فقد مر بظروف قاهرة ومؤلمة، فعوضه الله بمجموعة من العطايا، أهلته للنجاح. كان يتيماً وحيداً بلا أب ولا أم ولا سند مادي أو معنوي، فأعطاه الله العقيدة السليمة، وقوة الشخصية، فكان بلسانه وقلمه سيفاً مسلولاً على أعداء الله ورسوله، ٍيترصد الباطل ويقتله، ينازل الفسوق فيقهره، ويبارز الكفر والانحلال والمجون فيغلبهم جميعاً، وكان صدّاعاً بالحق، لا يسكت عن إنكار منكر، ولا تمنعه منه هيبة ذي سلطان، جريئاً لا يهاب أحداً ولا يخشى إلا الله، متمرداً على العادات والتقاليد المخالفة للإسلام، فرفع الله بعمله هذا ذكره بين الناس. وكان محباً للعزلة والانفراد فأعطاه الله حب العلم، والشغف بالقراءة والاطلاع، ورزقه الذكاء والذاكرة العجيبة، وسرعة الاستيعاب، فلم تكن إلا سنون حتى جمع علماً غزيراً متنوعاً، فهو أديب، ولغوي فقيه، وعالم نفس، وهو قارئ نشيط في الطب والفلك، فسهل الله له بعلمه الطريق إلى عقول الناس. وكان هيّاباً للاجتماع بالناس، فأعطاه الله القدرة على مخاطبتهم من بعيد، أي عن طريق وسائل الإعلام على اختلاف مشاربهم، وأعطاه روح الفكاهة، وحلاوة الأسلوب، والابتكار في العرض، والقدرة على الإقناع، والمرونة في الإفتاء فوصل إلى قلوب الكثيرين. وتقول "أمان علي الطنطاوي" ترثي والدها الفقيد: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا عليك يا أبتاه لمحزونون، أبتاه أنت شمس حياتنا ونور أيامنا.. أبتاه يعز علينا الفراق، ويحز في النفس غياب صوتك ووجهك، لكنك في القلب أنت، في العقل أنت.. أبتاه يا نبض أيامي، أبتاه ملهم أفكاري.. أبتاه يا أحب وأغلى الناس، رحمك الله وأسكنك فسيح جناته. أبتاه ها قد لحقت بـ "بنان" التي حزنت عليها دوماً ولم تذكر اسمها إلا هذا العام، ولم تلح في طلبها إلا وأنت مريض بالإشارة، أشرت بإصبعك الثاني، قلت لك: بنان، هززت رأسك. يا أحب الناس ها قد التقيت بـ "بنان" جعلك الله وإياها من أهل الجنة. قالوا عنه يقول الشيخ "مجاهد محمد الصواف" الذي رافق الشيخ علي الطنطاوي منذ كان في العاشرة من عمره: من أبرز سماته –رحمه الله- هدوء الشيخ وفهمه لما يجري في العالم، وارتباطه العميق بالدعوة إلى الله، والتزامه في ذلك بالقرآن والسنة، وهو ما مكنه من طرح موضوعاته وما يهدف إليه من نشر التوعية والدعوة بشكل يقبله الناس. وكان كاتباً رائعاً إذا أمسك القلم؛ إذا أراد أن يبكي أبكى، وإذا أراد أن يضحك أضحك، فيجمع في أسلوبه الدعوي كل أساليب التربية، فكان يجيب عن أطنان من الرسائل، ولم يكن يتحرج في الإجابة عن أي سؤال يطرح في مجتمعنا، واستطاع بحكمته ووسطيته وأسلوبه الرائع في طرح القضايا والمشكلات أن يكسب القبول من الناس جميعاً. أسلوب مميز وقال الدكتور "حسن محمد سفر" ـ أستاذ نظم الحكم الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ـ: بفقدان العلامة الشيخ علي الطنطاوي، فقد العالم الإسلامي علماً من أعلام الفكر والثقافة الإسلامية، وكان ـ رحمه الله ـ يطل على المسلمين من الشاشة بأسلوب مبسط، يبين فيه أحكام الإسلام ووجهة نظر المجتهدين من علماء الشريعة فيما يتعلق بالمسائل والأحكام والفتاوى، وكان هذا الأسلوب الشيق مميزاً يضيف إليه سماحته من الطرف والقصص ما يربط به الموضوع، فتستخلص منه العبر والعظات، وقد كان هذا الأسلوب محبباً لدى الشباب، فرحم الله هذه الثلة المباركة من علماء الإسلام، وعوضنا في سماحته كل خير، وحفظ الله علماءنا، ليؤدوا الرسالة التي أنيطت بهم، والحمد لله على كل حال. موسوعة الشيخ "محمد فيصل السباعي" ـ مدير إدارة النشر بجامعة أم القرى وأحد المقربين من الشيخ الطنطاوي ـ يقول: لقد رافقت الشيخ علي الطنطاوي في كثير من الفترات، عرفت فيها حماسه وغيرته على الإسلام، وعرفت فيه رمزاً من رموز العلم والتعليم، عرفته ـ رحمه الله ـ قرابة نصف قرن، وكان عالماً عاملاً كثير التواضع للجميع، وبخاصة في مجال الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان رحمه الله موسوعة متنقلة. . |
||||
|
|
|
|
|
#10 | ||||
|
بذرة
|
كان الجاحظ موسوعة تمشي على قدمين، وتعتبر كتبه دائرة معارف لزمانه، كتب في كل شيء تقريبًا؛ كتب في علم الكلام والأدب والسياسية والتاريخ والأخلاق والنبات والحيوان والصناعة والنساء والسلطان والجند والقضاة والولاة والمعلمين واللصوص والإمامة والحول والعور وصفات الله والقيان والهجاء. أما عن منهجه في معرفة الحلال والحرام فيقول : "إنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، والمقاييس المعينة" رافضًا بذلك أن يكون اتفاق أهل المدينة على شيء دليلاً على حله أو حرمته؛ لأن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولأن أهل المدينة لم يخرجوا من طباع الإنس إلى طبائع الملائكة "وليس كل ما يقولونه حقًا وصوابًا". فقد كان الجاحظ لسان حال المعتزلة في زمانه، فرفع لواء العقل وجعله الحكم الأعلى في كل شيء، ورفض من أسماهم بالنقليين الذين يلغون عقولهم أمام ما ينقلونه ويحفظونه من نصوص القدماء، سواء من ينقلون علم أرسطو، أو بعض من ينقلون الحديث النبوي. فإذا كان بعض فلاسفة الشرق والغرب فد وقفوا أمام أرسطو موقف التلميذ المصدق لكل ما يقوله الأستاذ فإن الجاحظ وقف أمام أرسطو عقلا لعقل؛ يقبل منه ما يقبله عقله، ويرد عليه ما يرفضه عقله، حتى إنه كان يسخر منه أحيانا.. ففي كتابه الحيوان يقول الجاحظ عن أرسطو وهو يسميه صاحب المنطق: "وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمى باليونانية "طبقون"، حية صغيرة شديدة اللدغ إلا أنها تُعالج بحجر يخرج من بعض قبور قدماء الملوك-، ولم أفهم هذا ولمَ كان ذلك؟!" ويقول الجاحظ: "زعم صاحب المنطق أن قد ظهرت حية لها رأسان، فسألت أعرابيًا عن ذلك فزعم أن ذلك حق، فقلت له: فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ فقال: فأما السعي فلا تسعى؛ ولكنها تسعى على حاجتها بالتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل، وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغذى بفم، وأما العض فأنها تعض برأسيها معًا. فإذا هو أكذب البرية". وكان الجاحظ يؤمن بأهمية الشك الذي يؤدي إلى اليقين عن طريق التجربة، فهو يراقب الديكة والدجاج والكلاب ليعرف طباعها، ويسأل أرباب الحرف ليتأكد من معلومات الكتب.. قال أرسطو: إن إناث العصافير أطول أعمارًا، وإن ذكورها لا تعيش إلا سنة واحدة… فانتقده الجاحظ بشدة لأنه لم يأت بدليل، ولامه لأنه لم يقل ذلك على وجه التقريب بل على وجه اليقين. كما هاجم الجاحظ رجال الحديث، لأنهم لا يحكّمون عقولهم فيما يجمعون ويروون، ويقول: ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهانها خفّت المؤنة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان. فهو لا يقبل ما يرويه الرواة من أن الحجر الأسود كان أبيض اللون واسودَّ من ذنوب البشر، فيقول ساخرًا: "ولماذا لم يعد إلى لونه بعد أن آمن الناس بالإسلام؟!". والجاحظ يرفض الخرافات كلها ، وينقد من يرويها من العلماء أمثال أبي زيد الأنصاري، فيقول: إن أبا زيد أمين ثقة، لكنه ينقصه النقد لأمثال هذه الأخبار التي يرويها عن السعالي والجن، وكيف يراهم الناس ويتحدثون إليهم ويتزوجونهم وينجبون؟. وكان الجاحظ يرفض وضع صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكانة أعلى من البشر، بحيث لا يحق لأحد أن يتعرض لأعمالهم ويقيمها وينقدها، فهو يرى أن من حق المؤرخ أن يتناول أعمالهم بميزان العقل، لأنهم بشر كالبشر يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة، وإذا كانت صحبتهم للرسول -صلى الله عليه وسلم- تعطيهم حق التوقير فإن هذه الصحبة نفسها تجعل المخطئ منهم موضع لوم شديد؛ لأنه أخطأ رغم صحبته وقربه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. ورفض الجاحظ بشدة القول بأن سب الولاة فتنة ولعنهم بدعة"، وعجب من أن الذين يقولون بذلك الرأي مجمعون على لعن من قتل مؤمنًا متعمدًا، ثم إذا كان القاتل سلطانًا ظالمًا لم يستحلوا سبه ولا لعنه ولا خلعه، وإن أخاف العلماء وأجاع الفقراء وظلم الضعفاء..، فالجاحظ -كمعتزلي- كان يرى ضرورة الخروج على الإمام الظالم في حالة وجود إمام عادل، مع الثقة في القدرة على خلع الظالم وإحلال العادل محله، دون إحداث أضرار أكثر مما يتوقع جلبه من المنافع. وكان الجاحظ يؤكد أن العقل الصحيح أساس من أسس التشريع. والأسلوب أحد المميزات الكبرى التي تمتع بها الجاحظ، فهو سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع. ويعد الجاحظ من أغزر كتّاب العالم ؛ فقد كتب حوالي 360 كتابًا في كل فروع المعرفة في عصره… وكان عدد كبير من هذه الكتب في مذهب الاعتزال.. وبحث مشكلاته.. والدفاع عنه… لكن التعصب المذهبي أدى إلى أن يحتفظ الناس بكتب الجاحظ الأدبية.. ويتجاهلوا كتبه الدينية فلم يصل إلينا منها شيء. ومن أشهر وأهم كتب الجاحظ كتابا "البيان والتبيين" و"الحيوان". ويعتبر البيان والتبيين من أواخر مؤلفات الجاحظ.. وهو كتاب في الأدب يتناول فيه موضوعات متفرقة مثل الحديث عن الأنبياء والخطباء والفقهاء والأمراء… والحديث عن البلاغة واللسان والصمت والشعر والخطب والرد على الشعوبية واللحن والحمقى والمجانين ووصايا الأعراب ونوادرهم والزهد.. وغير ذلك. ويعد كتاب الحيوان -وهو من مؤلفات الجاحظ الأخيرة أيضا- أول كتاب وضع في العربية جامع في علم الحيوان.. لأن من كتبوا قبل الجاحظ في هذا المجال أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وابن الي وابن الأعرابي والسجستاني وغيرهم.. كانوا يتناولون حيوانًا واحدًا مثل الإبل أو النحل أو الطير.. وكان اهتمامهم الأول والأخير بالناحية اللغوية وليس العلمية.. ولكن الجاحظ اهتم إلى جانب اللغة والشعر بالبحث في طبائع الحيوان وغرائزه وأحواله وعاداته. ولأن الجاحظ كان غزير العلم.. مستوعبًا لثقافات عصره.. فقد كانت مراجعه في كتبه تمتد لتشمل القرآن الكريم والحديث النبوي والتوراة والإنجيل وأقوال الحكماء والشعراء وعلوم اليونان وأدب فارس وحكمة الهند بالإضافة إلى تجاربه العلمية ومشاهداته وملاحظاته الخاصة. وقد كان للجاحظ أسلوب فريد يشبه قصص ألف ليلة وليلة المتداخلة… إذ أن شهرزاد تحكي لشهريار قصة… ثم يحكي أحد أبطال هذه القصة قصة فرعية.. وتتخلل القصة الفرعية قصة ثالثة ورابعة أحيانًا..ثم نعود للقصة الأساسية.. فالجاحظ يتناول موضوعًا ثم يتركه ليتناول غيره.. ثم يعود للموضوع الأول.. وقد يتركه ثانية قبل أن يستوفيه وينتقل إلى موضوع جديد… وهكذا. فكتابه "الحيوان" مثلاً لم يقتصر فيه على الموضوع الذي يدل عليه عنوان الكتاب.. بل تناول بعض المعارف الطبيعية والفلسفية.. وتحدث في سياسة الأفراد والأمم.. والنزاع بين أهل الكلام وغيرهم من الطوائف الدينية.. كما تحدث في كتاب الحيوان عن موضوعات تتعلق بالجغرافيا والطب وعادات الأعراب وبعض مسائل الفقه … هذا عدا ما امتلأ به الكتاب من شعر وفكاهة تصل إلى حد المجون بل والفحش. فكل فصل من الفصول -كما يقول أحمد أمين عن كتاب البيان والتبيين- "فوضى لا تضبط، واستطراد لا يحد… والحق أن الجاحظ مسئول عن الفوضى التي تسود كتب الأدب العربي، فقد جرت على منواله، وحذت حذوه، فالمبرد تأثر به في تأليفه، والكتب التي ألفت بعد كعيون الأخبار والعقد الفريد فيها شيء من روح الجاحظ، وإن دخلها شيء من الترتيب والتبويب.. والجاحظ مسئول عما جاء في الكتب بعده من نقص وعيب، لأن البيان والتبيين أول كتاب ألف في الأدب على هذا النحو وأثر فيمن جاءوا بعده.. وأوضح شئ من آثار الجاحظ في كتب الأدب إذا قورنت بالعلوم الأخرى الفوضى والمزاح ومجون يصل إلى الفحش أحيانًا. وقد أوضح الجاحظ في "الحيوان" أسلوب تأليفه للكتاب قائلاً : "متى خرج -القارئ- من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى الشعر، ومن الشعر إلى النوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب ولعله أن يكون أثقل والملال أسرع حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة وإلى سخف وخرافة ولست أراه سخفًا". ويبدو أن عدم ثقة الجاحظ في القراء على وجه العموم كانت سبباً في سلوكه هذا السبيل… فهو يقول: "ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويظهر اصطناع الكتب في هذا الدهر لما احتجت إلى مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم -مع فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأن الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في صلاحهم رغبة من رغب في دنياهم" والأسلوب أحد المميزات الكبرى التي تمتع بها الجاحظ، فهو سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع. والجاحظ بهذا الفكر الذي يعلي من شأن العقل، وهذه الثقافة المتنوعة الجامعة، وهذا العمر المديد بما يعطيه للمرء من خبرات وتجارب، وهذا الأسلوب المميز: استحق مكانه المتميز في تاريخ الثقافة العربية بما له من تأثير واضح قوي في كل من جاءوا بعده. أما ما يؤخذ عليه فهو ما يؤخذ على المعتزلة عمومًا |
||||
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
مواضيع مشابهة
|
||||
| الموضوع | الكاتب | المنتدى | الردود | آخر مشاركة |
| درس >> انماط الشخصيات وفهم النفسيات<<< | ابتسامة تفاؤل | حـِـــوَاراتٌ وَقـَــضـَـايــا | 45 | 05 Aug 2009 06:56 AM |
| فتوى في تحليل الشخصيات | احساس الدعوه | [ أرشيف الـفَـتَـاوَى ] | 7 | 22 Jul 2009 03:32 PM |
| الشخصيات المؤثرة ~ | هكذا أبقى ..!! | حـِـــوَاراتٌ وَقـَــضـَـايــا | 3 | 12 Jun 2009 04:55 PM |
| عضوة قدمـــــت لنا الكــثير.. فما رأيكم فيما تكتبه؟؟؟, أرجوا مروركـم وابدااء رأيكم وبصرراااحـــــه | #عاشقة الجنان# | ~ مُـــلــتـَقـى الأحِــــبَّـــــة ~ | 39 | 12 Jan 2008 09:57 PM |