ثانيا: الستر
قال المنذري: الستر على المسلم تغطية عيوبه وإخفاء هناته.
والستر صفة يحبها الله تعالى، جاء في الحديث: (إن الله حييُُّ ستيِّرُ يُحبُ الحياء والستر)
ماعز بن مالك رضي الله عنه لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله طهرني فقال: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه) فرجع غير بعيد ثم جاء وقال: يا رسول الله طهرني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك وفي المرة الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمَ أُطهّرك؟
قال: من الزنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أبه جنون؟ فأُخبر أنه ليس مجنون، (أشرب خمرًا)؟؟ فقام رجلاً فاستنكهه فلم يجد رائحة الخمر. فقال رسول الله صلى الله عليه: أزنيت؟ قال: نعم فأمر به فرُجم.
ثم قال عليه الصلاة والسلام لهزال وهو الذي أشار على ماعز بالذهاب للنبي صلى الله عليه وسلم والاعتراف بين يديه بالزنا- قال له: "لو كنت سترته بثوبك لكان خيرًا لك مما صنعت به"
وكل هذا حث على المبالغة بالستر وأن الستر أولى من الاعتراف فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين.
رُوي أن امرأة أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها بذنب، فأعرضت بوجهها وقالت: "يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكنَّ ذنبًا فلا تخبرنًّ به الناس، ولتستغفر الله، ولتتب إليه فإن العباد يُعيّرون ولا يغيرون وإن الله يُغيِّر ولا يُعيِّر"
والشريعة كما ألزمت المسلم بالستر على نفسه ألزمته بالستر على غيره، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته) رواه أحمد.
قال صلى الله عليه وسلم: (ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) البخاري .
وبقدر سترك على معايب الناس يُوقع الله الستر على معايبك جزاًء وفاقًا والمؤمن الصادق في نصحه كل غايته أن يزيل عيب أخيه، وأن يحوطُه ويوجهه لا أن يفضحه ويشهر به ويجرحه ويعيره وشتان شتان كما يقول ابن رجب: "بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة". الفرق بين النصيحة والتعبير .
فالمصدور ينفثُ بما في صدره، وكما يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعيّر" جامع العلوم والحكم.
ومن أراد الاستزادة فليرجع لكتاب (الستر على أهل المعاصي). للشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع فهو كتابُُ عظيم النفع كثير الفوائد.
ب) أسلوب الوعظ:
الأسلوب له أثر بالغ في التربية فالناس لا تريد من يمارس عليها أسلوب القهر والضغط والإجبار وكأنه يحمل الوصاية على الخلق أجمع!!!
تأمل حسن التودد في أسلوب وعظ لقمان لابنه وهو يقول له: (يا بنيّ - يا بنيّ)
هذا التصغير تصغير تودد، يشعر بالقرب واللطف والرفق والحنّو. وبه يصبح قلب من أمامك مهيأ لك، عنده استعداد أن يسمع منك بمعنى أن الطريق إلى هذا القلب صار مفتوحًا والكلمة إذا وجدت في القلب محلاً نفعت!!.
انظر لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرحم الخلق بالخلق وأشفق الخلق بالخلق كيف علّم ووعظ صحابته، هاهو يأخذ بمنكب معاذ ثم يقول له: يا معاذ إني أحبك وكل هذا تتودد وتلطف ورفق ورحمة حتى ينفتح قلب معاذ ويصبح للكلام أثرًا، ثم يأتي التعليم بعد ذلك (لا تدع دبر كلا صلاةٍ أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
إنًّ أهم وأعظم وأول تمكّين أن يمكَّن لك في القلوب، فلا يمكن للإنسان أن يقبل الناس كلامه وينتفعون بما يقوله إلاَّ إذا مُكن له في قلوبهم وهذه القلوب لا تُشترى بالمال!! وإنما جُبلب القلوب على حب من أحسن وتلطف وتأدب معها ورفق بها فالله يقول: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك...)